الرئيسية / مقالات ودراسات / صناعة التقوى

صناعة التقوى

صناعة التقوى

 صناعة التقوى … نعم؛ صناعة تُصنع في قلب المؤمن بإذن ربه .. يكفل إخراجها على الوجه المأمول تعامل القلب مع ما شرعه الله تعالى من عبادات على وجه الجد

قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 21

وفي خصوص الصيام قال سبحانه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). البقرة 183

فدلت الآيتان على أن الطريق إلى صناعة التقوى في النفس العبادة؛ وأظهرها في هذا المعنى: الصيام؛ وذلك لما له من أثر  في إنبات نبات التقوى وتدريب النفس على مراقبة الله، ورفع كفاءتها في الامتناع عن المعاصي والاستمساك بالاستقامة.

فإن كان صاحب العبادة موفقا لاحظ بعين قلبه تحقق هذا المعنى في عبادته، وحرص على مقصودها في نفسه، وإلا فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب !!

إن النظر إلى العبادات لاعتبار انعكاسها على الجانب الخلقي عند العابد هو سعي إلى تحقيق مقصود مُشَرِّعها سبحانه من تشريعها، وهو مما يعين العابد على أمرين:
الأول: تحقيق مقصودات العبادة كما أرادها الله تعالى، وامتثال الكمالات من معانيها.
وهو ما نقصد إلى بيانه.

والثاني: الاستلذاذ بالعبادة وتذوق حلاوتها، الأمر الذي تتجلى به حقائق الإيمان في نفس المؤمن العابد لله تعالى.
وهو الذي عبر عنه ذلك الموفق عندما قال: إنه لتمر في القلب لحظات لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف.

والحق أن الأمرين مترابطان؛ إذ تحقيق مقصودات العبادة لا يتم إلا عبر استشعار مدلولاتها ومعانيها؛ وهذا لا يتم إلا بصحبة تذوق حلاوة هذه العبادة واستشعار معانيها والانغماس فيها أثناء تأديتها.

ومثال ذلك:
الصيام المخصوص بالذكر من بين العبادات كما في الآية المذكورة، حيث يُنتج الصيام التقوى إنتاجاً عند تفاعل القلب مع الصيام ومعانيه؛ وبيانه أن يقال:
إن العبد إذا استشعر أنه إنما يمتنع عما اعتاده من مألوفات الطعام والشراب والجماع لأجل أمر الله تعالى وحده أورثه ذلك مع التكرار تعظيما لأمر الله تعالى واحتراما لحدوده، وإقبالا على تنفيذ أمره، وحساسية من انتهاك حرماته!
وإذا ما أضفنا استحضاره لعدم اطّلاع أحد غير الله على قلبه؛ محلّ انعقاد نية الصيام؛ ثم استمراره في استكمال عقد النية على الصيام يوما بعد يوم، مع مراقبة توجه قلبه وملاحظة ربه؛ ارتفع استعداد القلب حتما وازدادت كفاءته في مراقبة الله تعالى واستشعار معيّته.

وقل مثل ذلك في الصلاة وتكرارها بمعانيها، ووقوف العبد راكعا ساجدا بين يدي ربه سبحانه، متذللا له، راغبا إليه، منكسرا بين يديه، تاليا من القرآن ما يعظمه ويدعو إلى عبادته وتوحيده والرغبة بما عنده والانزجار بما أوعده .. أورثه ذلك التقوى؛ تصنع صناعة عبر هذه العبادات المشروعة للوصول إليها: (اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون).

بصِّرْنا ربَّنا بحقائق عبادتك ! وألهمنا ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وبلغنا مرتبة مراقبتك وتقواك !

صناعة التقوى

عن د. رأفت المصري

متخصص في التفسير وعلوم القرآن. عضو لجنة القدس في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء أهل السنة. والمشرف العام على مؤسسة مدارج لإدارة المشروعات والبحوث.

شاهد أيضاً

القدس أمانتي

حملة القدس أمانتي

 القدس أمانتي. حملة شبابية عالمية تهدف لإيقاظ ضمائر صناع القرار في العالم  شارك الصفحة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

wordpress stat