الندم توبة

الندم توبة

جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: “الندم توبة” وعلماؤنا -جزاهم الله عنا خيرا- وإن اشترطوا شروطا أخرى في التوبة كالإقلاع والعزم على عدم معاودة الذنب إلا أنها راجعة من جهة إلى معنى الندم؛ ومن جهة أخرى فيه الإشارة إلى أهمية هذا الشرط-وهو الندم-في تحقيق معنى التوبة؛ على منوال الندم توبةقوله صلى الله عليه وسلم:”الحج عرفة”.
والحاصل أن تحقيق الندم على الذنب هو التوبة؛ وهو مستتبع لبقية الشروط.
والذي يحتاجه السالك إلى ربه في طريق العبودية هو الاطلاع على المسلك الذي يحط به على سبيل الندم؛ وعند التأمل يتضح أن ذلك يدور على ثلاث محطات:
أولها: النظر في حق الله عز وجل؛ وما يقتضيه دوام إنعامه؛ وجميل ستره وعظيم امتنانه من أداء حقوق طاعته؛ والقيام بواجب عبوديته؛ فإن نظر العاقل في قليل ذلك فضلا عن كثيره آيل إلى اعترافه بفضل سيده ومولاه؛ ومؤد إلى الندم على ما فرط من ذنوبه وما بدر من معصيته لمن لم يأته خير إلا منه؛ ولا شرب شربة ولا طعم طعمة ولا اكتسى كسوة إلا من فضله ورزقه سبحانه؛ من غير سابقة استحقاق ولا حتى سؤال ولا طلب؛ فله الحمد وله الشكر:
فلك المحامد والمدائح كلها بجوارحي وجوانحي ولساني
والثاني: النظر في آثار هذه الذنوب و سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة.
فإن من تأمل سوء العاقبة تمرمرت في فمه طعوم المعاصي؛ كما تتمرمر طعوم حلو الطعام الذي عرف المرء سمه النقيع؛ وتنكمش النفس عن الإقبال عليه؛ بل يتسبب استحضاره في الذهن بتقزز يجتاح ضلوع المرء؛ وإنما تحصل مثل هذا لما علم من سوء المآل.
فإذا نظر المرء في عاقبة المعاصي والذنوب وآثارها الخطيرة في الدنيا بالخزي والفضيحة والمرض والعار؛ وفي الآخرة بالخزي الأعظم والذل الأكمل بين يدي علام الغيوب والخبير بالعيوب والذنوب ..من لا تخفى عليه خافية ولا تنأى عن قدرته رائحة ولا غادية ..إذا نظر في ذلك قبحت في عينه الملاذ المحرمة ولم تستطب سوى الخصال المكرمة؛ فندم على ما سلف من عيوب وما تجرع من ذنوب فندم عليها أشد الندم وتقطع قلبه ألما وحسرة.
أما الثالث؛ فتذكر موته بعد هذه الحياة؛ وضجعته في قبره وسؤال الملكين له وحاله إذ هو كذلك؛ من شأنه يقطع قلبه حزنا على ذنبه وألما على تفريطه في طاعة ربه سبحانه وتقصيره في جنبه جل وعز.
فإن الموت ما ذكر في واسع إلا ضيقه ولا في ضيق إلا وسعه؛ ولم أر كتذكر الموت زاجرا؛ ولا كاستحضار حاله ناهيا وآمرا.
ولذلك وعظ طبيب القلوب بالإكثار من ذكره فقال صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات.
وأمر بزيارة القبور فإنها تذكر بالآخرة؛ كما في الحديث.
وجاء عن الفاروق المتبصر: كفى بالموت واعظا.
بهذه الثلاث يصل العبد المذنب إلى الندم على ذنوبه؛ ويتألم قلبه على مقارفتها؛ فيستتبع ذلك إقلاعه عنها؛ ويعزم على عدم العودة إليها؛ فتصح توبته إذ ذاك تامة الهيئة متكاملة الشروط.
عندها فليبشر بالقبول؛ وليسعد بحصول المأمول؛ وليسبح ربا هاديا ونصيرا.

عن د. رأفت المصري

متخصص في التفسير وعلوم القرآن. عضو لجنة القدس في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء أهل السنة. والمشرف العام على مؤسسة مدارج لإدارة المشروعات والبحوث.

شاهد أيضاً

وثيقة الثوابت الاسلامية المتعلقة بالمسجد الأقصى

وثيقة الثوابت الاسلامية المتعلقة بالمسجد الأقصى

وثيقة الثوابت الاسلامية المتعلقة بالمسجد الأقصى     [pdf]http://madrij.com/files/pdf/islamic-constats-aqsa.pdf[/pdf] شارك الصفحة على واتس أب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

wordpress stat